أخبار الداعية مصطفى حسني

-

زائرينا الكرام ..شرفونا بزيارة اقسام الموقع المختلفة

الصفحة الرسمية للداعية مصطفى حسني على Facebook  شاهد أعمال الداعية مصطفى حسني على  Youtube الصفحة الرسمية للداعية مصطفى حسني على Google +

الجمعة 25 يوليو 2014 /  27 رمضان 1435



المكتبة الكاملة للداعية مصطفى حسني

ربي أنزلت كتابك في ليلة القدر ليلة خيرٌ من ألف شهر، وأكرمتنا وشرفتنا فيها بعبادات أجرها مضاعف أضعاف وأضعاف، فيا من بلغنا رمضان بلغنا ليلة القدر، وارزقنا فيها حُسن العمل وتقبل منّا يا رب العالمين.

الإدراك هو لحظة ظهور الحق. 

كيف تقضي وقت فراغك ؟

اللعب على الإنترنت

القراءه

ليس لدي وقت فراغ

  الرئيسية > كأنك تراه > كتاب الله > تأملات قرآنية د. يوسف القرضاوي > تأملات في سورة إبراهيم- الجزء الأول
تأملات قرآنية د. يوسف القرضاوي
تأملات في سورة إبراهيم- الجزء الأول


بسم الله الرحمن الرحيم.. 

الحمد لله الذي بنعمة تتم الصالحات.. الذي هادنا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأزكى صلوات الله وتسليماته على سيدنا، وإمامنا، وأسوتنا، وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن دعى بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين..
خير ما أحيكم به أيها الإخوة والأخوات تحية الإسلام.. تحية من عند الله مباركة طيبة.. فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
لازلنا نعيش مع القرآن الكريم، وهوا أفضل ما يعيش الإنسان في ظله، وفي رحابه؛ ليتفقه في دين الله، ويفهم عن الله -عز وجل- ماذا يريده منه؟ وماذا يحبه ويرضاه؟.


من أراد أن يعرف الإسلام، ويفهم الإسلام فليعرفه من مصادره المنقاة، ومن ينابيعه الصافية، وأعظم ينبوع للإسلام هو القرآن، السنة.. يحتج على أنها مصدر بالقرآن الإجماع.. يحتج عليه بالقرآن القياس.. يحتج عليه بالقران كل المصادر تستمد حجيتها من القرآن الكريم.
فلهذا كان التوجه إلى القرآن نستقي منه، ونهتدي بهداه، ونقتبس من ثناه.. كان هو واجب العلماء، والمعلمين، والفقهاء، والدعاة جميعا.. لقد اخترنا سوره نعيش في رحابها هي سورة إبراهيم نفسرها تفسيرا تحليليا كما يقول علماء التفسير.. فقد قسم علماء التفسير.. التفسير أو فن التفسير إلى قسمين..
أولهما: التفسير الموضوعي، ومعنى التفسير الموضوعي أن نبحث عن موضوع معين في القرآن الكريم كله.. نبحث مثلا عن المال في القرآن في كل سور القرآن مكيه ومدنيه.. نبحث عن المال، وموقف القرآن من المال.. هل يكره المال أم يحب المال؟ هل يحث على كسبه، وبأي طريق يكتسب؟ هل يحث على تنميته، وبأي طريق ينمي توزيعه إنفاقه إلى آخره؟.


مثلا الإنسان في القرآن.. المرأة في القرآن.. الأسرة في القرآن.. الأخوة في القرآن.. الأبوة في القرآن.. البنوة في القرآن.. مئات المواضيع، وربما آلاف المواضيع في القرآن..
هذا نوع من التفاسير تبحث عن نوع معين، وتخدمه بتتبع آيات القرآن الكريم.. أنا أصدرت كتابين في هذا التفسير كتاب من قديم اسمه الصبر في القرآن الكريم، وكتاب آخر اسمه العقل، والعلم في القرآن، وهناك أناس أصدروا كتبا الشيخ شلتوت (رحمه الله) أصدر كتابا موجوا اسمه القتال في القرآن الكريم.
العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز أصدر كتاب دستور الأخلاق في القرآن الكريم.. الأستاذ العقاد أصدر الإنسان في القرآن الكريم.. المرأة في القرآن الكريم، ولا يزال الناس يصدرون في هذا التفسير كتبا، وأحيانا يقدمون أطروحات للماجستير، وللدكتوراه تتناول موضوعا من موضوعات القرن.. هذا نوع من أنواع التفسير، وربما نعرج عليه في أمور أخرى فيما بعد.


وهناك النوع الأخر..
التفسير التحليلي الذي يتتبع السورة آية.. آية، والآية كلمة كلمة، ويحلل ألفاظها، ومعانيها، وما يستنبط منها، وهذا هو الذي نسير عليه.. سرنا عليه في تفسير سورة الرعد قبل هذا، ونسير عليه بعد سورة الرعد في تفسير سورة إبراهيم.
في الدرس الماضي وقفنا عند الآية الأولى من سورة إبراهيم.. 
{
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.. الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}
واليوم نتحدث عن الآيات التي تليها 
{اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ{2} الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ{3} وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
حول هذه الآيات نبدأ نتحدث ذكرنا في الآية الأولى {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إن هذا القرآن أنزل من فوق الإنزال.. دائما يكون من أعلى إلى أسفل.. نزل من السموات العلى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل في ليله القدر.. أولا.. ثم نزل في ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع؛ {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} فالغاية من إنزال القرآن هي إخراج الناس كل الناس.. ليس إخراج قريش وحدها، ولا العرب وحدها.. إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وتوفيقه، وتيسيره، وأمره إلى صراط العزيز الحميد.. إلى طريق العزيز الحميد.. صراط المستقيم صراط العزيز الحميد.. من هو العزيز الحميد؟ {اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} هناك قراءتان قراءة تقول: (الله الذي له ما في السموات وما في الأرض على) أنه خبر لمبتدأ محذوف.. يعني العزيز الحميد هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وقراءة على الجر.. مش على الرفع.. (الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) بدل مما قبله صراط العزيز الحميد..


{اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} قراءة حفص التي نقرأ بها نحن هي بجر الله (لفظ الجلالة) هذا العلم على الذات الإلهية.. هذا الاسم الكريم الذي تكرر في القرآن 2697 مرة شوف.. يعني كيف يهتم القرآن بشان الإلوهية، والثناء على الله -عز وجل- لا يوجد كتاب في الدنيا يثني على الله كما يثني عليه القرآن من أول آية { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. يعني القرآن ثناء على الله من أول آية إلى آخر سورة { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1} مَلِكِ النَّاسِ} آية الناي اقرأ الكتاب المقدس.. اقرأ التوراة، وأسفرها الخمس.. كم فيها من الثناء على الله؟ كم يقابلك لفظ الجلالة؟ يعني نادرا جدا، وهو يقول رب إسرائيل أو رب الجنود ليس رب العالمين أو رب الناس أو ملك الناس إله الناس.. فالله لفظ الجلالة تكرر في هذه المرة 2697 مرة، وغير لفظ الرب تكرر.. يعني نحو تسعمائة وبضع وخمسين مرة غير الأسماء الأخرى.. العزيز، والحميد، والحكيم، والسميع، والبصير، والطيف إلى آخره.. مئات المرات غير الأفعال الذي خلق، ورزق، ويعطي، ويمنع، ويبسط، ويقدر، ويعز، ويذل، ويأتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وخلق السموات والأرض، وفعل، وفعل.. كل هذا في هذا القرآن العظيم.


{ اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} هذا الملك بعلويه، وسفليه لله، وكلمة (له) الذين يعرفون اللغة العربية يقولون: لماذا قدم له؟ لماذا قدم الخبر (له)؟ مقلش ما في السموات وما في الأرض له.. لا.. قال له ده؛ ليفيد الحصر.. أي له لا لغيره.. ما في السموات وما في الأرض.. له حصرا لا لأحد ممن أشركوا به من دون الله.. ليس لمناه، ولا للات، ولا للعزة، ولا لهبل، ولا لإله اليونان، ولا لآلهة الرومان، ولا لآلهة البوذيين، ولا الهنديين، ولا للوثنين في أنحاء الأرض.. ليس لهذه الآلهة المزيفة شبر، ولا فتر، ولا سم واحد في السموات ولا في الأرض.

كل ما في السموات وما في الأرض لله وحده.. 
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}
 لا يملكون مثقال ذرة، ولا حتى بالشراكة.. يشتركون، وليس لهم ظهير، ولا معين في هذا الملك، والملك كله لله.. له ما في السموات، وما في الأرض.. الملك له، والملك له.

ممكن ساعات الواحد يملك الشيء، ولكن لا يملك التصرف فيه فهو يملكه، ولكن لا يحسن.. فليس له الملك، ولكن له الملك، ولكن الذي له الملك، وله الملك هو الله –سبحانه- الذي له ملك السموات والأرض بيده ملكوت السموات والأرض.. السموات والأرض تكررت في القرآن 190مرة.. السموات.. في الأرض.. ذكرت الأرض أحيانا لوحدها، وذكرت السماء لوحدها.. إنما السموات والأرض بهذا الجمع ذكرت 190 مرة، ودائما السموات مجموعة، والأرض مفردة.

حينما تذكر السموات والأرض تذكر السموات في هذه المائة والتسعين مرة هذه جمع سموات، والأرض مفردة لم يذكر في القرآن أن الأرض سبع.. {مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } و { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} 
حتى إن نوح -عليه السلام- قال لقومه:
{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً{15} وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}.. 
فالسموات سبع إنما الأرض لم يأتي في القرآن إلا آية في آخر سورة الطلاق تقول: 
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}
مثلهن في إيه؟ في العدد.. لم يقل في التكوير.. مثلا في انطباق القوانين الكونية عليهن.. لم يقل لنا، ولم يأتي حديث صحيح يقول: إن الأرض سبع في حديث ضعيف وهو "رب السموات السبع وما أقللن ورب الأراضين السبع وما أقللن"، ولكن الحديث لم يصح في "من غصب شبر أرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة" لكن هذا لا يدل على أن الأراضين التي خلقها الله سبع..

هناك بعض الإخوة من علماء الجيولوجيا يقولوا: إن الأرض سبع طباق، وهذا ممكن إن معنى طباق بهذه الطريقة أن في طبقة بعد طبقة.. يعني يمكن هذا.. إنما السموات هذه هي التي تعلونا هذه لا نرى منها إلا هذا اللون الأزرق، ولا نعرف ماذا فيها، ولا ماذا ورائها.. فيها الشمس، وفيها القمر الذي يستمد نوره من الشمس، وفيها الكواكب السيارة مثل زحل، وعطارد، والمشترى، والمريخ، والزهرة، وهذه الأشياء.

ويبدو أن هذه الأشياء الكواكب كلها في السموات الدنيا، وحتى بعض العلماء الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله) يقول: إن كل ما نرى من النجوم التي تأتي إلينا أضوائها بعد ملايين السنين الضوئية كما يقول علماء الفلك كل هذه في السماء الدنيا، واستدل على ذلك بقوله { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} أي بالنجوم.. فهذه السماء كل ما نراه في السماء الدنيا.. إنما ما بعد السماء الدنيا لا نعرف عنها شيئا.. هذا ملك واسع الله أعلم به..
جاء في الدعاء الرفع من الركوع "اللهم لك الحمد ملئ السموات وملئ الأرض وملئ ما شئت من شيء بعد".


كما جاء في القرآن { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أو عرضها في آية أخرى كعرض السموات، والأرض.. طب إذا كان عرض السماء والأرض فما طولها؟ ماذا يكون؟ هذا شيء لا يعلمه إلا الله -عز وجل- هذا الكون الواسع الكبير الذي يتصرف فيه، ويحكمه، ويحكم كل ذرة فيه هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وهذا يدلنا على أن منزل الكتاب إن هذا كله هذا التدليل على عظمة الله هذا لتعظيم أمر الكتاب 
{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.. 
صراط العزيز الحميد.. الله الذي له ما في السموات، وما في الأرض.. هذا هو العزيز الحميد.. هذا هو الذي أنزل الكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور على يديك يا محمد.. { اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ويل دعاء بالهلاك، والعذاب للكافرين.. الكافرين الجاحدين الذين لم يهتدوا بالكتاب المنزل لم يخرجهم هذا الكتاب من الظلمات إلى النور.. لم يهتدوا إلى صراط العزيز الحميد.. كفرو به، ومعنى كفرو.. الكفر هو الستر، والتغطية.. أنهم غطوا على الحقيقة.. طمسوا الحقيقة بإتباع أهوائهم.. لم ينظروا إلى النور، ولكنهم غش أعينهم فلم يرو هذا النور.. الكفر هو التغطية.. حتى كلمة كفر في اللغات الأجنبية تفيد معنى التغطية، ويسترون الحقيقة، ولا يرونها وهي واضحة أمامهم.. { وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}.. الكفر أحيانا يقابل بالشكر، وأحيانا يقابل بالإيمان.. فالكافرون هنا يعني هم الذين كفرو النعمة، ولم يشكروا نعمة الله أو الذين كفرو بالمنعم بالله -عز وجل- الكفر في القرآن يأتي على الوجهين..
فأحيانا يكون الكفر مقابل الشكر كما في قوله تعالى: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }، وكما في سورة إبراهيم نفسها بعد آيات قليلة يأتي قوله تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } فقابل بين الشكر، والكفر.


وأحيانا يقابل بين الإيمان والكفر 
{ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ}، { فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ}، { الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}.

 
فالكافرون هنا هم الكافرون بالنعمة بنعمة القرآن.. أما الكافرون بالمنعم بالله -عز وجل- الظاهر من كلمة الكافرين إذا أطلقت في القرآن أنها تعني الكفر.. الكفر المقابل للإيمان.. هذا هو الأصل فهؤلاء كفرو.. كفرا؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يؤمنوا بكتابه، ولم يؤمنوا برسوله.. فحق لهم أن يكون لهم العذاب { وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}.. ويل هلاك، وعذاب لهؤلاء.. ويل لهم من عذاب شديد في بعض المفسرين يذكر عند كلمة ويل يقول: ويل وادي في جهنم هذا ليس تفسيرا للفظ كلمة.. ويل كلمة معروفه في اللغة العربية يعرفها المسلمون، ويعرفها المشركون، وقبل أن ينزل القرآن، وقبل أن يعرفوا جهنم معروف الويل الهلاك العذاب.. ويل لهم إنما الذين يقولون واد في جهنم هذا ليس تفسيرا، وإنما هو تمثيل لبعض مفردات الويل.. أن لهم واديا في جهنم إذا صحت الأحاديث، وما أظنها صحيحة في هذا المعنى أن من العذاب المعد لهم إن يكون لهم وادي في جهنم {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} عند الله -عز وجل- من عذاب شديد يوم القيامة فقد يكون في الدنيا كثير من الكافرين ينجون من عذاب الدنيا.. يمهلهم الله إلى الآخرة.. فمن شأن الله –تعالى- أن يمهل، ولا يهمل { سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ{44} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} قد يؤخرهم إلى الآخرة كما قال تعالى في هذه السورة 
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ }.

فالعذاب المقصود هنا هو عذاب الآخرة وهو أخزى، وأشد، وأنكى من عذاب الدنيا بمرات، ومرات.. النار التي أعدها الله العذاب في الآخرة عذاب النار، ومعه الخزي، والهوان { اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} هذا النوع من العذاب المعنوي بجوار العذاب الحسي.. عذاب النار عذاب شديد، وعذاب غليظ، وعذاب أليم.. حسب تعبيرات القرآن وفق المقامات المختلفة هنا قال عذاب شديد، وأي عذاب أشد من عذاب النار؟ عذاب النار، وليست أي نار.. النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أرئيتم ناركم هذه إن نار الآخرة أشد من ناركم هذه بسبعين مرة أشد من نار فقالوا والله يا رسول الله إن كانت هذه لكافية" هو نار الدنيا شوية؟ مين يتحمل لسعة؟ مين النار تلسعه لسعه كده كما يقول الشاعر:
جسمي على الشمس ليس يقوى
ولا على أهون الحرارة
فكيف يقوى على جحيم
وقودها الناس والحجارة.

{ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} وجاء في الصحيح أنه يأتي بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة.. الذي عاش في النعيم، والرفاهية، والطيبات، وما لذ، وطاب من الطعام، والشراب، والنساء، والخدم، والحشم.. يأتي بأنعم هؤلاء يوم القيامة فيغمس في النار غمسة واحدة ثم يقال له: هل رأيت نعيما قط بعد الغمسة؟ هذه هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: ما رأيت نعيما قط.. غمسه واحده تنسيه كل لذات الدنيا كل ما أصابه من شهوات.. كل ما له من أموال.. كل ما بناه من قصور من غمسة واحدة في النار ينسي كل لذائذ الدنيا، وطيباتها { وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} من هم؟ هؤلاء الكافرون الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة.. ما الذي جعل هؤلاء الكافرين يعمون عن النور؟ وهو واضح أمامهم عن الحق، وأدلته.. كالشمس في رابعة النهار.. ما الذي جعلهم يسيرون وراء الطاغوت، ويكفرون بالله، ويكفرون برسالاته.. سر هذا أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.. كانت الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم.. فاستحبوها على الآخرة أي جعلوا حبها فوق حب الآخرة أثاروا الدنيا على الآخرة، وهذه هي مشكله البشر.. إيثار الأولى على الآخرة فإذا جاءت الطامة الكبرى { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى{35} وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى}.. {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى} ما موقف الناس في هذه الحالة؟.

هما موقفان، وهما صنفان لا ثالث لهما.. 
{فَأَمَّا مَن طَغَى{37} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{38} فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى{39} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
المعضلة هي إيثار الدنيا على الآخرة الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة كانت الدنيا فوق كل شيء عندهم من قراء صحيح البخاري وجد في الأحاديث الأولى في البخاري بعد حديث إنما الأعمال بالنيات حديث هرقل الذي وصلته رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعوه فيها إلى الإسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإلا كان عليك إثم اليريثين، ودعاه آية سورة آل عمران { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} هرقل هذا رجلا عاقلا حب أن يستوثق من صدق رسالة الرسول الذي بعث إليه فقال: أتوني بأناس من العرب فجاءوا له بأبي سفيان كان في رحله تجاريه فجاء بأبي سفيان، وظل يسأله عن النبي أسئلة في غالية الدقة، وأبو سفيان يجيب يخاف أن يؤثر عليه الكذب.. فقال: هذا هو النبي الذي بشر به المسيح، ولو خلصت إليه لغسلت عن قدميه، ولو فعلت كذا ثم عرض الأمر على رجال الدين عندوا على القسس والرهبان فهاجو عليه فقال لهم: أنا أردت أن أختبر حرصكم على دينكم، وبعد أن اقتنع أن محمد رسول الله غلب الدنيا.. غلب حب ملكه على الدخول في الإسلام، وبقي يحارب الإسلام، وهزمه الإسلام بعد ذلك، والحمد لله الدنيا الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.. حاربوا رسول الله من مشركي قريش كانوا يعلموا أنه على حق، ولكن الكبر من ناحية، والحسد من ناحية، والتقليد الأعمى لإبائهم من ناحية أخرى.. هذا الدنيا اليهود الذين وقفوا ضد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان الحسد، وحب الدنيا وراء ذلك.

{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ

ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.. لم يكتفوا بأن يكفروا في أنفسهم.. بل ظلوا يصدون عن سبيل الله.. الصد عن سبيل الله يعني منع الناس من الدخول في الإسلام.. صرفهم عن الدخول في الإسلام.. كالذي يقف في الطريق يمنع الناس من السير فيه.. قطاع الطريق الذين يقفون يمنعون الناس إلا إذا دفعت إتاوة أو كذا.. فهذا صد عن سبيل الله كما قال سيدنا شعيب لقومه، 
{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً}، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ}، {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء
هؤلاء يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا.

بعض المفسرون يقولون: يصدون أنفسهم، ويصدون غيرهم، ولكن يصدون أنفسهم يكفي أنهم كفرو.. إنما المعنى هنا يصدون عن سبيل الله كلمة صد فعل صد يأتي في اللغة لازما أو قاصرا، ومتعديا.. صد بمعنى أعرض صد عن سبيل الله.. بمعنى أعرض قال الله تعالى: 
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}.. 
فهذا صد قاصر لزم.. صد يعني أعرض الصد بمعنى منع الغير.. يعني يريد منع الناس من الدخول في الإسلام، وإذا دخلوا يفتنهم.. يؤذيهم.. يعذبهم.. مشركوا مكة بالمستضعفين عذبوا عمار بن ياسر، وأباه ياسرا، وأمه سمية، ومات أبوه ياسرا، وأمه سمية تحت العذاب عذبوا بلال، وكثير من المسلمين هؤلاء يصدون عن سبيل الله.

{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً}
سبيل الله الطريق الموصل إلى الله.. أي إلى رضوان الله.. إلى مثوبة الله.. إلى جنة الله.. سمي سبيل الله؛ لأن الله هو غايته أنه يوصل إلى الله.. إلى رضوان الله، ولأن الله هو الذي شرع هذا السبيل.. هو الذي دعى إليه.. هو الذي أوصل إليه.. فلذلك نسب إليه نقول سبيل الله ونقول صراط الله إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله.. الذي له ما في السموات وما في الأرض هؤلاء يصدون عن سبيل الله عن الطريق الموصلة إلى الله.. وقفوا قطاعا للطريق يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.

الله جعل هذه السبيل سبيلا مستقيما لاعوج فيها، ولا أمت لا تميل إلى اليمين، ولا إلى اليسار.. الصراط المستقيم هو أقرب موصل إلى الهدف.. هم يريدونها عوجا.. الله يريدها مستقيمة وهم يريدونها عوجا يبغونها؛ لأن السبيل تذكر، وتؤنث.. تذكر كما قال تعالى بسبيل مقيم طريق مقيم، وأحيانا تؤنث كما قال تعالى لرسوله { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}.. فهي يبغون هذه السبيل عوجاء الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا 
{وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ{2} الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً
هؤلاء الكافرون المستحبون للدنيا عن الإخراج الصادون عن سبيل الله الذين يريدونها سبيلا عوجاء.. { أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } كأن هناك ضلال قريب، وضلال بعيد.


الضلال ما معنى الضلال؟
الضلال هو الغياب، والذهاب عن الحق، والصواب كلمه ضل أي ذهب قال: إذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد إذا غبنا في الأرض فأصبحنا عظاما، ورفاتا اختلطنا بالتراب، وخلاص هذا الأصل، وهناك ضلال دنيوي، وضلال ديني.. الضلال الدنيوي في أمور الدنيا كما قال {نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يعني أسأت التصرف.. تترك العزيز، وتحب الخدام بتعها.. هذا ضلال دنيوي مثل ما قال أبناء يعقوب { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } انو أحب أخوين الصغيرين، وإحنا عصبة، وتركنا أن أبانا لفي ضلال مبين ولما قال لهم: { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} { قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ } هذا ضلال دنيوي لو كانوا أرادو الضلال الديني لكفروا كيف يصفون أباهم وهو نبي بن نبي بن نبي الكريم بن الكريم نقول: ضلال ديني لا رائيك غير سليم.. {تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ } وأحيانا أكثر القرآن حينما يذكر كلمة الضلال يراد الضلال الديني.. الضلال عن الحق، وعن الهدى.. فهؤلاء في ضلال مبين.. ضلال ظاهر لأن الحق واضح إمامهم، وضلوا عنه، وضلوا عن الطريق.. عن الاتجاه..
إذا كان الضلال عن الاتجاه الأساسي فالإنسان كلما مشي في الطريق كلما أوغل في البعد الطريق شرق وهو يذهب إلى الغرب كلما مشى كيلو متر بعد عن الهدف عشرة كيلو صار أبعد كلما يمشي يزداد بعدا.. هذا هو الضلال البعيد.


القرآن يقول: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً.... وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } فضلال هؤلاء الكفار الذين لم يهتدوا بهدي الله، ولم يهتدوا بالكتاب المنزل، ولم يخرجهم من الظلمات إلى النور، ولم يهتدوا إلى صراط العزيز الحميد، واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وصدوا عن سبيل الله، وبغوها عوجا.. هؤلاء في ضلال بعيد لا يرجى لهم منه عودة إلا أن يأذن الله -عز وجل- ويهديهم إلى صراط مستقيم أولئك في ضلال بعيد ثم يقول -عز وجل- { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }.. ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه كأن قريشا قالت: لولا أنزل على محمد الوحي بلغة غير اللغة العربية، وهذا من تعنتهم يقولوا: إن محمد وهو العربي المبعوث إلى العرب أساسا كيف ينزل عليه كتاب بغير لغة لا يفهمه هو، ولا يفهمه قومه أو يذهب إلى أمريكا، ويحدث الناس في مشاكل بلاد الشرق الأوسط يتحدث عن الأضرحة، والمزارات، والأولية، وأمريكا لا فيها أضرحة، ولا مزارات، ولا أوليه ولا كده يشغل الناس بمشكله غير موجودة هكذا ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم نريد من ورثه الرسل، والأنبياء أن يبينوا لقومهم بلسانهم يكلموا كل جماعة بلسانها حتى يصل إلى الحق 
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ
أرسلناهم بلغات أقوامهم، وبلسان أقوامهم ليبينوا، ولكن ليس من الضروري أن بعد البيان يهتدي الناس.

الإنسان عليه البيان، وعليه البلاغ، ولكن ليس عليه الهداة، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء.. إنما عليك الدعوة، وعلى الله الهداية عليك البلاغ، وعلى الله الحساب.. عليك أن تبذر الحب، وتجو الثمار من الرب.. ابذر بذور الدعوة.. كلمه الحق، ولكن النتيجة ليست بيدك.. سيدنا نوح ظل ألف سنة إلا خمسين عام يدعو الناس ما قصر بل قال: 
{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً{5} فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً{6} وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً
وضعوا أصابعهم في أذانهم قالوا: لا نريد أن نسمع صوتك، واستغشوا ثيابهم، وضعوا ثيابهم على وجوههم، وعلى أعينهم، وقالوا: لا نريد أن نرى وجهك لا نحب نشوفك، ولا نسمعك ما قصر نوح -عليه السلام-
{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً{8} ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً{9} فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً
وعظهم ورغبهم بأمور الدنيا، وأمور الآخرة، ولم يقصر، ولكن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء ماذا نفعل القلوب؟ ليست بأيدينا القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.

هناك سنن تحكم الناس.. هناك أمور.. يعني هي التي تتحكم في الناس، وقد رأينا أناسا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة يتضح لهم الحق، ومع هذا يكفرون من بعد ما تبين لهم الحق كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} هكذا بعد البيان يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء..

كلمه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء فيها كلام كثير لا يتسع له المقام هنا لعلنا نبحث عنه في وقت آخر لأن بعض الناس يريد أن يجعل من هذه الآيات أن تدل على الجبر.. إن الإنسان مسير لا مخير، وانه مجبور لا مختار، وان الله هو الذي يضل ويهدي، وإن الهداية بيد الله.. هذا يعني الكلام ليس صحيحا أن الهداية بيد الله إنو يعطي نفحات لمن يشاء، ولكن وضح للجميع الحق، وأقام الحجة، وأبطل التعليلات، وأبطل الإعتزار ليس لأحد أن يقول أنا لم أعرف الحق لا آنت عرفت ياخويا كل شيء كان واضح إمامك كل شيء واضح ما الذي منعك ما لهم لا يؤمنون، {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون }ماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقناهم ما لكم لا تؤمنون بالله، والرسول يدعوكم الأمور واضحة فيضل من يشاء ويهدي من يشاء هذه ليست معناها أن الأمر في جبر أم اختيار.. بل الأمر هو موكول إلى إرادة الإنسان، واختياره.. قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ.. من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }.

الإضلال والهداية بحسب ما في النفوس كما قال تعالى: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ{26} الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}، ويهدي إليه من أناب.. هناك إذا تعدادات في النفوس تأتي الهداية، والإضلال بحسبها قل إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

وأختم هنا بملاحظه كان ذكرها أحد المفسرين في العصر الحديث الأستاذ عبد الحميد الخطيب كان سفير المملكة العربية السعودية في باكستان، وبنجلادش، وله تفسير هذا التفسير قال فيه: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.. من يشاء الضلالة يضله، ومن يشاء الهداية يهديه.. فجعل يشاء هنا ليس المرجع الضمير إلى الله، ولكن المرجع الضمير إلى كلمه من؟ من شاء الضلالة أضله الله ومن شاء الهداية هداه الله، وبعض الناس أيده في هذا، وأنا أرى أن هذا ليس هو المتبادر من الآية لأنه من يشاء.. هذه ذكرت في القرآن في آيات كثيرة جدا يرزق من يشاء بغير حساب.. يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء.. يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.. يعني ذكرت أشياء كثرة في القرآن الكريم من يشاء هذه مرات عديدة أكثر من مائه مره في القرآن كلها ترجع إلى الله -عز وجل- لماذا كلمه يضل من يشاء هنا نستثنيه، ونقول: لا من يشاء أي الإنسان فماذا تفعل في قوله تعالى أن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء بالخطاب مفيش هنا من يشاء الذي يشاء هو الله -عز وجل- يضل من يشاء.. أي الله له الضلالة، ويهدي من يشاء له الهداية، وأن الهداية والضلالة تأتي وفق سنن الله.. هذا الكون كله بما فيه الإنسان تحكمه سنن، وقوانين كونية، واجتماعية.. لا تتبدل، ولا تتحول.. { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً... وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.. فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.

 العزيز الغالب المنيع الذي لا يغلب، والذي لا يعجزه شيء، ولا يقهره شيء.. بل هو الواحد القهار هو الغالب دائما هو العزيز وهو الحكيم كثيرا ما يذكر مع العزة الحكمة قرنت العزة بالحكمة في القرآن في آيات كثيرة جدا كان الله عزيزا حكيما، وان الله عزيزا حكيما، وهو العزيز الحكيم.. له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.
الحكيم هو الذي يضع كل شيء في موضعه ليس هناك خلل ألحكمه الإلهية أنها وضعت كل شيء بمقدار، وكل شيء عنده بمقدار.. إن كل شيء خلقناه بقدر، وخلق كل شيء فقدره تقديرا..

كل شيء بقدر موزون حتى النبات موزون.. علماء البيولوجيا، والنبات في عصرنا هذا يقولوا: إن موزون مش بس وزن معنوي لا ميزان حقيقي يمكن قياسه بالملي جرام، وما هو أدق من المللي جرام كل شيء موزون..

فالله -سبحانه وتعال- هو الحكيم يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا هو الذي آتي لقمان الحكمة وهوا الذي أتي داود.. الحكمة وهو الذي أتي الأنبياء الحكمة هو صاحب الحكمة وهو الحكيم في كل شيء.. لم يخلق شيئا باطلا، ولم يشرع شيئا عبثا كما قال ألو الألباب.. {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} اللهم فقهنا في كتابك، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله، وألئك هم ألو الألباب.

أقول قولي هذا أيها الإخوة والأخوات وأستغفر الله لي ولكم وأسأل الله -عز وجل- أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب هما، وغمنا إنه سميع بصير.. وبالإجابة جدير..
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

 

 

4 stars التقييم الحالى
  قيم المحتوى
العدد الكلي للأصوات 8



الإسم : مريم - فريق الموقع الرسمي
    البلد :   مصر
    بتاريخ : 29-7-2011   11:11:48 PM
   اهلا بكِ بنت النبي1 .. ربنا يرزقنا التخلق بصفة التسامح يا رب .. بارك الله فيكِ
الإسم : بنت النبى1
    البلد :   مصر فخورة بنجم احبــك ربــى (مصطفى حسنى)
    بتاريخ : 29-7-2011   03:09:19 PM
   مسامحكم يا قمر والله بجد بس أنتم سامحونى امبارح كان احسن يوم شوفته فى حياتى
الإسم : مريم - فريق الموقع الرسمي
    البلد :   مصر
    بتاريخ : 28-7-2011   09:46:04 PM
   اهلا بكِ بنت النبي1 .. آمين يا رب العالمين .. ربنا يتقبّل منك ويرضى عنك .. حضرتك الـ ممكن تسامحينا ؟ .. جزاكِ الله خيراً
الإسم : بنت النبى1
    البلد :   مصر فخورة بنجم أحبــك ربــى (مصطفى حسنى)
    بتاريخ : 28-7-2011   09:00:32 PM
   الله يجزيكم خير يا فريق الموقع واللهم علمنا بما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا اميييييييييييييين والله يا فريق الموقع بحببببببببببببببببببببكم ممكن تسامحونى من قلوبكم




الاسم*
البريد الالكترونى*
البلد*
التعليق*